القاضي التنوخي
192
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
حتى يجتاز بنا منجّم أو عالم ، فنسأله ، ومضى على هذا الأمر شهور . فخرجت أنا وهو في بعض الأيّام إلى شاطئ البحر ، نصطاد سمكا ، فجلسنا ، فاصطدنا شيئا كثيرا ، فحملناه على ظهورنا ، أنا وهو ، وجئنا . فقال لي : ليس في داري من يعمله ، فخذ الجميع إليك ليعمل عندك . فأخذته ، وقلت له : فتعال إليّ ، لنجتمع عليه ، ففعل . فقعدنا أنا وعيالي ننظَّفه ، ونطبخ بعضه ، ونشوي الباقي . وإذا رجل مجتاز ، يصيح ، منجّم ، مفسّر للرؤيا . فقال لي : يا أبا الحسين ، تذكر ما قلته لك ، بسبب المنام الذي رأيته ؟ فقلت : بلى ، فقمت ، وجئت بالرجل . فقال له بويه : رأيت ليلة في منامي ، كأنّي جالس أبول ، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود ، ثم تشعّبت يمنة ويسرة ، وأماما وخلفا ، حتى ملأت الدنيا ، وانتبهت ، فما تفسير هذا ؟ فقال له الرجل : لا أفسّره لك بأقل من ألف درهم . قال : فسخرنا منه ، وقلنا له : ويحك ، نحن فقراء ، نخرج نصيد سمكا لنأكله ، واللَّه ما رأينا هذا المبلغ قط ، ولا عشره ، ولكنّا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك . فرضي بذلك ، وقال له : يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا ، فيملكونها ويعظم سلطانهم فيها ، على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا . قال : فصفعنا الرجل ، وقلنا : سخرت منا ، وأخذت السمكة حراما . وقال له بويه : ويلك ، أنا صيّاد فقير ، كما ترى ، وأولادي هم هؤلاء ، وأومأ إلى عليّ بن بويه « 1 » ، وكان أوّل ما اختطَّ
--> « 1 » ( 1 ) علي بن بويه : الأمير عماد الدولة ، ترجمته في حاشية القصة 1 / 174 من النشوار .